🇨🇽 آسيــا و الهادي أوروبا الصين الولايات المتحدة تايوان

الولايات المتحدة تشن حرب معرفية على الصين في مجال صناعة الرقائق الإلكترونية

تنشر صحيفة جلوبال تايمز سلسلة من المقالات؛ لتكشف بشكل منهجي عن مكائد الحرب المعرفية التي يشنها الغرب بقيادة الولايات المتحدة، والتي تستهدف الصين، وتكشف أكاذيبها في محاولة لإظهار رؤية حقيقية ومغايرة ومتعددة الأبعاد وبانورامية من الصين للقراء الدوليين، وذلك المقال واحدًا منهم.

أضرت الحرب التكنولوجية المتصاعدة الأخيرة التي شنتها الولايات المتحدة ضد الصين، عن غير قصد بعمالقة الرقائق لديها، وقد حضرت وزيرة التجارة الأميركية، جينا ريموندو، منتدى ريجان السنوي للدفاع الوطني في كاليفورنيا في الثاني من ديسمبر/كانون الأول، مؤكدة على الحاجة إلى المزيد من التمويل لوزارتها لمنع الصين من اللحاق بركب أشباه الموصلات المتطورة، كما أخبرت بلومبرج يوم الاثنين أن الولايات المتحدة ستتخذ “أقوى إجراء ممكن” لحماية أمنها القومي، عندما سُئلت عن كيفية رد وزارة التجارة على “الاختراق الأخير في صناعة الرقائق” في الصين.

قبل أسابيع، أفادت تقارير أن شركة “نفيديا” الرائدة في مجال تصميم الرقائق في الولايات المتحدة، توقعت “انخفاضًا كبيرًا” في مبيعاتها في الصين في الربع الرابع، بسبب الحظر الأمريكي المحدث على الرقائق الذي تم الإعلان عنه في أكتوبر.

ووفقًا لمجلة نيكي، فإن الصين “تمثل باستمرار ما يقرب من 20 إلى 25 في المائة من إيرادات مراكز البيانات”. ردًا على الضوابط المشددة، التي تمنع “نفيديا” من تصدير وحدات معالجة الرسوميات A800 وH800 إلى الصين، قالت الشركة إنها تعمل على تطوير شرائح متوافقة حديثًا للسوق الصينية، وأشار المطلعون على الصناعة إلى أن الرقائق الجديدة سوف تمتثل للضوابط، لكنها ستكون على الأرجح أقل قدرة على المنافسة. 

تشن الولايات المتحدة “حرب رقائق” طويلة وخاسرة ضد الصين. بعد مجموعة من الضوابط التي تم الإعلان عنها في أكتوبر 2022 على صادرات معدات تصنيع أشباه الموصلات المتقدمة إلى الصين، قامت وزارة التجارة الأمريكية، في أكتوبر من هذا العام، بتحديث وتوسيع ضوابط التصدير لمنع الصين من الحصول على رقائق الكمبيوتر المتقدمة.

والأسوأ من ذلك، بصرف النظر عن تضييق الخناق المباشر على السوق الصينية وشركات الرقائق، فقد نفّذت الولايات المتحدة أيضًا “عقوبات رأي عام” شريرة ضد صناعة أشباه الموصلات في الصين في السنوات الأخيرة، وذلك لتشويه صورة شركات التكنولوجيا الصينية، وتقليل مكانة الصين. وجدت صحيفة جلوبال تايمز أن التقدم في مجال الرقائق من خلال تكتيكات الحرب المعرفية المختلفة.

وفي حالة النظر بعمق إلى الكثير من تغطية وسائل الإعلام الأمريكية لصناعة أشباه الموصلات في الصين في السنوات القليلة الماضية، سيرى الباحث المهتم قائمة من التكتيكات المخادعة المستخدمة في حرب الولايات المتحدة في مجال الرقائق ضد الصين.

اتهامات كاذبة

واحدة من تلك التكتيكات هي توجيه اتهامات لا أساس لها، بسرقة الملكية الفكرية ضد شركات التكنولوجيا الصينية، مثل “سرقة تصميمات الرقائق” و”سرقة تكنولوجيا التصنيع”.

ومن خلال الأكاذيب والشائعات، يحاولون تضليل الجمهور بإيهامهم أن صعود الصين في مجال الرقائق قد تحقق بشكل أساسي من خلال “سرقة” التكنولوجيا الأمريكية، وذلك لتجهيز دافع لدعم حصار الرقائق الذي تفرضه الحكومة الأمريكية على الصين.

 في السنوات الأخيرة، ظهرت تقارير عن شركات التكنولوجيا الغربية التي تتهم موظفيها الصينيين السابقين بسرقة تكنولوجيا الرقائق السرية في التغطية الإعلامية الأمريكية من وقت لآخر، مما يعطي القراء انطباعًا خاطئًا عن السرقة المتكررة للتكنولوجيا من قِبل الشركات الصينية أو الموظفين. معظم هذه القصص تحتوي فقط على مصادر أحادية، وتفتقر إلى تقارير المتابعة. 

ووجدت صحيفة جلوبال تايمز أنه لم يتم إجراء تحقيقات مستقلة، ولم يتم التواصل مع الجانب الصيني للرد، مما أدى إلى تضخيم الأصوات التي تهاجم الصين. على سبيل المثال، ذكرت قناة فوكس بيزنس في يناير 2022 أن الشركة الهولندية المتطورة لدوائر أشباه الموصلات اتهمت أحد موظفيها الصينيين السابقين بسرقة تقنيتها، ومن دون أي مصادر متوازنة، انتهت القصة بجملة مُحمّلة سياسيًا: “في السنوات الأخيرة، اتُهم العديد من المواطنين الصينيين الذين يعيشون في الولايات المتحدة بسرقة الممارسات التجارية والأسرار التجارية نيابة عن بكين”. 

ونفت الشركة الصينية المعنية، دونفانج جينوان المحدودة، هذا الادعاء لاحقًا في بيان صدر في فبراير 2022، لكن لم تذكر أي من وسائل الإعلام الأمريكية هذا النفي في التغطية ذات الصلة. 

وأشار المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، تشاو لي جيان، في فبراير 2020، إلى أن الإنجازات العلمية والتكنولوجية للصين لا تتحقق من خلال السرقة، ردًا على سؤال طرحته مصادر إعلامية حول تعليق الصين على اتهام الجانب الأمريكي بـ “سرقة الإنجازات العلمية الأمريكية”، وأظهرت الإحصاءات أنه بين عامي 2009 و2019، نشر العلماء الصينيون 2.6 مليون ورقة بحثية في المجلات الدولية، ليحتلوا المرتبة الثانية في العالم، حسبما ذكر تشاو.

 وانتقد أن بعض الأشخاص في الولايات المتحدة “لديهم دوافع خفية في طبخ ما يسمى بسرقة الصين للنتائج العلمية والبحثية الأمريكية”. في بعض الأحيان، تتخذ تقارير وسائل الإعلام الأميركية حول صناعة الرقائق في الصين نبرة متعجرفة، حيث يستمتعون بالوضع “الصعب” الذي تواجهه شركات التكنولوجيا الفائقة في الصين في ظل العقوبات الأمريكية، وذلك لتصوير “اعتماد” الصين على الرقائق المستوردة، ورفض الإنجازات التي حققتها الصين في مجال التكنولوجيا المتطورة.

 ذكرت إذاعة صوت أمريكا يوم 19 أكتوبر الماضي أن التوسع الأمريكي الأخير في ضوابط التصدير على الرقائق المتقدمة “سيجعل من الصعب على الصين التطور في هذا القطاع”.

نقلت وكالة أسوشيتد برس عن هاندل جونز، مستشار صناعة التكنولوجيا، قوله في مقال بتاريخ 4 أبريل/نيسان إن الصناعات الصينية “ستصطدم بجدار” في عام 2025 أو 2026، إذا لم تتمكن من الحصول على رقائق الجيل التالي أو الأدوات اللازمة لصنع رقائقها الخاصة، وزعم المقال أن الصين “ستبدأ في التخلف عن الركب بشكل كبير”، وهو ما رددته لاحقًا العديد من وسائل الإعلام الأمريكية الأخرى.

حتى أن بعض الرافضين ربطوا بشكل ضار بين جهود الصين في تطوير الرقائق وبين التباطؤ المؤقت في النمو الاقتصادي، في محاولة لتصوير الصين كدولة لم تعد تتمتع بالقوة، على الأقل اقتصاديًا، لاختراق حصار الرقائق المتطورة الذي تفرضه الولايات المتحدة.

وعلى عكس التوقعات القاتمة التي تنبأت بها بعض وسائل الإعلام الأمريكية، قال المُطلّعون الصينيون الذين تواصلت معهم صحيفة جلوبال تايمز إنهم متفائلون بشأن مستقبل صناعة الرقائق في البلاد.

وربما تُثبت بعض البيانات أن تفاؤلهم جيد. أفادت رويترز يوم 18 أكتوبر الماضي أن ما يقرب من نصف جميع مناقصات معدات الآلات التي قدمتها المسابك الصينية في الفترة من يناير إلى أغسطس 2023 فازت بها الشركات المصنعة المحلية، وفقًا لتحليل 182 مناقصة أجرتها شركة هواتاي للأوراق المالية في سبتمبر. 

وأظهرت أن الإيرادات المتعلقة بالمعدات بين أكبر 10 شركات مصنعة للمعدات المحلية في الصين نمت بنسبة 39 في المائة على أساس سنوي في النصف الأول من عام 2023، وهو ما يمثل 2.2 مليار دولار من المبيعات، ونقل رويترز عن أحد محللي أشباه الموصلات قوله: “هناك بالتأكيد تقدم هائل يحدث في مجال معدات أشباه الموصلات الصينية، كما ينعكس في مقاييس نمو الإيرادات القوية”.

“عملاء مشبوهين” 

على النقيض من الخدعة السابقة المتمثلة في التقليل من إنجازات الصين في مجال الرقائق، اعتادت وسائل الإعلام والسياسيون الأمريكيون أيضًا على الترويج للخوف، والمبالغة في تطوير الرقائق في الصين وتأثيرها على العالم، خاصة على الغرب الذي تقوده الولايات المتحدة. 

أصبحت “نظرية تهديد الرقائق الصينية” تكتيكًا مُفضلًا لإثارة الخوف تستخدمه الحكومة الأمريكية ومصادر وسائل الإعلام بشكل متكرر، حيث تتحدث على نطاق واسع عن صعود تكنولوجيا الرقائق في الصين، ولكنها تشوه صورة الصين الدولية وتؤطر شركات التكنولوجيا الفائقة الصينية باعتبارها عملاء مشبوهين، وتبالغ في تقدير العواقب المترتبة على خسارة احتكار الولايات المتحدة للرقائق، في حين تصور حظر الصين وقمعها باعتباره سلوكا معقولًا. 

على سبيل المثال، وفقًا لمقال بعنوان “مركز الأبحاث يحث الولايات المتحدة على أن تصبح أكثر صرامة مع الصين بشأن الرقائق” نُشر في المجلة الأمريكية للنقل في أكتوبر، زعمت مؤسسة “Silverado Policy Accelerator” ومقرها واشنطن أن الصين تقوم ببناء قدرة إنتاجية ضخمة من الرقائق الأساسية “والآن، يحذر سيلفرادو من أن القوة العظمى الآسيوية تُظهر علامات على خفض أسعار منافسيها الغربيين في هذا السوق”.

فيما وجدت صحيفة جلوبال تايمز أن المسؤولين الأمريكيين والمصادر الإعلامية قاموا بربط الرقائق عن عمد بالصناعة العسكرية والدفاعية، وقاموا بتسييس غرض الرقائق الصينية، ودعوا شركاتهم المحلية والدول الأخرى إلى توحيد الجهود ضد الصين.

في وقت مبكر من عام 2021، ذكرت صحيفة فايننشال تايمز أن لجنة الأمن القومي، وهي لجنة مفوضة من الكونجرس الأمريكي، خلصت إلى أن البلاد من المحتمل أن تفقد تفوقها في صناعة أشباه الموصلات بسبب التطور السريع لصناعة الرقائق في الصين.

ووفقًا لصحيفة فايننشال تايمز، ذكر الرئيس المشارك للمفوضية أن الولايات المتحدة تتمتع حاليًا “بالتفوق بجيلين” على الصين فيما يتعلق بأشباه الموصلات، ولكن ثمّة حاجة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لمنع فقدان هذه الميزة. 

ويحدد التقرير الصادر عن اللجنة كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي لمساعدة الولايات المتحدة والمستهلكين في مختلف المجالات، لكنه يحذر من أنه مع استثمار الصين في التكنولوجيا المتقدمة، فإن إمكانات الذكاء الاصطناعي تتحول إلى “لحظة ضعف استراتيجي”.

ومع ذلك، فإن مثل هذا الافتراء الذي لا أساس له من الصحة يكشف بشكل صارخ عن طموحات حكومة الولايات المتحدة.

وفي منتدى ريجان للدفاع الوطني، ذكرت ريموندو أن الشركات الأمريكية ستحتاج إلى التكيف مع أولويات الأمن القومي الأمريكي، بما في ذلك ضوابط التصدير على أشباه الموصلات التي تنفذها وزارة التجارة الأمريكية، حسبما ذكرت إذاعة صوت أمريكا. 

ووفقًا لإذاعة صوت أمريكا، في وقت سابق، بعد أن أعلنت وزارة التجارة الأمريكية عن خطط لتقييد صادرات المزيد من الرقائق المصممة من قِبل شركات مثل “نفيديا” إلى الصين، أوضحت ريموندو أن الإجراء الجديد يهدف إلى إعاقة التطور العسكري للصين، وقالت: “صُممت تحديثات جديدة خصيصًا للتحكم في الوصول إلى قوة الحوسبة، الأمر الذي سيُبطئ بشكل كبير تطوير الصين للنموذج الحدودي للجيل التالي، ويمكن الاستفادة منه بطرق تهدد الولايات المتحدة وحلفائنا”.

وقال فو ليانج، محلل التكنولوجيا المقيم في بكين، لصحيفة جلوبال تايمز، إن المؤسسة الإعلامية والسياسيين وشخصيات الأعمال الأمريكية أظهرت باستمرار العداء والحقد في تصريحاتهم بشأن صناعة الرقائق في الصين. 

وأشار فو إلى أنه لفترة طويلة، تناثرت أحاديث عديدة حول تهديد الرقائق الصينية للاقتصاد الأمريكي والقيادة التكنولوجية دون أدلة ملموسة، وإساءة استخدام صارخة لمفهوم “الأمن القومي” من أجل الحفاظ على حكمهم المهيمن.

الولايات المتحدة ستدفع الثمن 

ذكرت جمعية صناعة أشباه الموصلات الأمريكية (SIA) في 17 أكتوبر الماضي، “إن الضوابط الأحادية والواسعة للغاية تُخاطر بالإضرار بالنظام البيئي لأشباه الموصلات في الولايات المتحدة دون تعزيز الأمن القومي لأنها تشجع العملاء في الخارج على البحث في أماكن أخرى”. 

تمامًا كما هو الحال مع مخاوف جمعية صناعة أشباه الموصلات الأمريكية، فإن القيود التي فرضتها الولايات المتحدة على أشباه الموصلات والتي تستهدف الصين، فضلاً عن الحرب المعرفية التي شنتها ضد الصين في مجال الرقائق، أدت إلى إلحاق المزيد من الضرر بشركات الرقائق الخاصة بها بدلًا من أن تكون مفيدة، حسبما قال مراقبو الصناعة الصينيون لـ”جلوبال تايمز”، وأشاروا إلى أنه على المدى الطويل، سيتعين على الولايات المتحدة نفسها أن تدفع الثمن.

وقال شيانج ليجانج، المحلل المخضرم في صناعة الاتصالات، إنه على الرغم من أن إنفيديا ستصمم شرائح جديدة للسوق الصينية، إلا أن الرقائق ربما لم تعد تتمتع بميزة على نظيراتها الصينية في ظل العقوبات الأمريكية، وقال لصحيفة جلوبال تايمز: “نعلم جميعًا أنه ليس من المستحيل على الصين إنتاج قائق الذكاء الاصطناعي الخاصة بها”.

وقال شيانج إن الضوابط التي فرضتها الولايات المتحدة على الرقائق المتقدمة، قد تدفع الشركات الصينية إلى التحول إلى الرقائق المحلية، الأمر الذي سيُحفّز تطوير رقائق الذكاء الاصطناعي المحلية، ويدفع السوق الصينية في النهاية بعيدًا عن المصدرين الأمريكيين.

وبما أن سلسلة المعارك المعرفية التي خاضتها الولايات المتحدة امتدت إلى مجال الرقائق، أشار فو إلى أنه لا مفر من تعاون السياسيين والمؤسسات الإعلامية مع العقوبات الحكومية من أجل حماية المصالح الأمريكية في ظل الخلفية الحالية للمنافسة التكنولوجية بين الصين والولايات المتحدة، وقال فو: “ومع ذلك، فإن إجراء الضغط الشديد هذا لم يحقق التأثير المطلوب”. 

وأشار المراقبون إلى أنه على الرغم من أن قمع الحكومة الأمريكية لصناعة أشباه الموصلات في الصين سيستمر، إلا أن الشركات الأمريكية لا تزال تقدر السوق الصينية، وقالوا إنه فقط من خلال التعاون المربح للجانبين في مجال التكنولوجيا يمكن ضخ الثقة في التنمية العالمية.